09 Jun
09Jun


في ما مضى من الزمان ..

كانت بعض الصباحات تبدأ قبل أن تغادر سريرها. تمد يدها إلى الهاتف كما يمد شخص يده إلى مقبض باب لا يعرف ما الذي ينتظره خلفه.

لم يكن هناك ما يدل على وقوع كارثة. الغرفة هادئة، والنافذة في مكانها، والعالم يمضي كعادته.

 ومع ذلك، كانت تفتح هاتفها بحذر من يفحص أرضًا اعتاد أن يجد فيها ألغامًا. لا لأن شيئًا حدث في تلك اللحظة، بل لأن الذاكرة كانت في هذا النمط  الذي اعتاد التكرار عليها لوقت طويل.

 تلك الأيام كانت قد علمتها أن تترقب المفاجآت غير السارة، حتى صار الترقب عادة تستيقظ قبلها.

أحيانًا كانت تبحث في الإشعارات عن خطر لا وجود له، وتقرأ الصمت وكأنه إنذار مؤجل. كان الصباح يبدأ بسؤال ما هي الغدرة التالية، والاستعداد لصد ضربة لم تقع بعد.

لم يبقَ هذا الترقب حبيس الصباحات. شيئًا فشيئًا تسرب إلى بقية أيامها، حتى صبغها كلها بلون رمادي باهت.

 لم يكن انهيارًا مفاجئًا، بل تيبسًا بطيئًا. كأن الحياة ظلت تتحرك من حولها بينما توقفت عجلاتها الخاصة عن الدوران.

 وحتى الأشياء التي كانت تمنح الأيام طعمها المعتاد فقدت شيئًا من بريقها.

في تلك الأيام كانت تتعامل مع هذا الترقب بوصفه جزءًا من يومها، كشيء لا بد من حمله. 

كل مرة تنجو فيها من احتمال سيئ تعدّ ذلك انتصارًا صغيرًا، ثم تعود في اليوم التالي لتنتظر الاحتمال التالي.وكلما مر يوم هادئ، بدا وكأنه مجرد هدنة مؤقتة قبل البرهان القادم.لكن شيئًا ما حدث .

لم يكن الحدث استثنائيًا بقدر ما كان مألوفًا على نحو مؤلم.

 بدا وكأنه دليل آخر يضاف إلى قائمة طويلة سبقته وشوكة أخرى في الأرض التي اعتادت السير فوقها بحذر منذ البداية.

لكن شيئًا مختلفًا كان يحمله هذا الحدث .لأول مرة لم تنشغل بترميم الضرر أو الاستعداد لما قد يأتي بعده، بل توقفت أمام الفكرة.

 إذا كانت الأرض مليئة بالشوك إلى هذا الحد، وإذا كان عليها أن تعيش كل يوم مترقبة موضع الخطوة التالية، فإلى متى؟

يومذاك أدركت أن المشكلة لم تكن في اللغم الذي انفجر، ولا في الشوكة التي أصابت قدمها، بل في الطريق كله. وأدركت أن استمرارها في السير بالطريقة ذاتها لن يمنع الانفجار القادم، بل سيجعلها تقضي عمرها في انتظاره.

عندها لم تحاول أن تصبح أفضل في الترقب، ولم تبحث عن طريقة أكثر أناقة لحمل القلق. اختارت ببساطة أن تخرج من الدائرة التي جعلت أيامها رمادية، 

وأن تكف عن ترتيب حياتها حول ألغام حتما سوف تنفجر في كل الأحوال .

فقررت استعادة حقها في صباح عادي؛ 

صباح لا يبدأ بالقلق، ولا يمضي في استنزافٍ متواصل لمحاولة شرح نفسها مرارًا،

 ولا يُقاس بعدد الكوارث التي يلوّح بها في وجهها حتى ولو لم تقع...

***

تمت

بلقيس عبدالرحمن

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.