29 Dec
29Dec

ماذا لو أن ما تسميه “حلمًا” لم يكن إلا زيارة متأخرة لحياة لم تُكتب لك، 

لكنها عاشت في مكانٍ ما؟ 

لم تأتِ التجربة كحلم عابر، بل كدخولٍ كامل إلى حياة قائمة بذاتها. 

كنت واعية لكل تفصيلة: نبرة صوتي حين أتحدث، الطريقة التي أحرّك بها يدي، 

بل وحتى الثقة التي أعرف بها أشياء لم أتعلمها في حياتي .

 لم يكن هناك ضباب الأحلام ولا تشويشها؛ 

بل وضوح مفرط، كأنني أعيش يومًا عاديًا في حياة أعرفها جيدًا.  

في تلك الحياة الأخرى، كنت أكتب الأغاني.

لم أتعلم كيف،

 كنت أعرف..

 فقط. الكلمات كانت تأتي متناسقة،

 كأنها محفوظة في جسدي لا في ذاكرتي.

 أعرف أسماء أشخاص لم أقابلهم هنا، 

وأتذكّر مواقف لم أعشها في هذا المسار من حياتي. 

والأغرب أنني كنت أعرف صديقة بعينها

تاريخها، ضعفها، لحظات انهيارها ومحاولات نهوضها

كأنني رافقتها سنوات طويلة.

حين استيقظت، لم أشعر بالانفصال المفاجئ الذي يرافق نهاية الأحلام.
 لم يكن هناك ارتطام بالواقع، ولا تلك الخفّة المربكة التي تتركها الصور قبل أن تتلاشى.
 كنت مستيقظة… نعم،
 لكن شيئًا ما ظل في مكانه.ظلّ الشعور حاضرًا، كثيفًا، لا يبهت.
 الأصوات، الإيقاع الداخلي، الإحساس كلها كما كانت قبل لحظة،
 كأنني لم أعد من مكان بعيد، بل التفتُّ فقط إلى زاوية أخرى من نفسي.

بعد أيام، التقيت الصديقة نفسها في هذا العالم.

لم يكن في الأمر ما يستدعي التوقف أو الدهشة؛

جلست أمامي كما يجلس أي شخص أنهكه العيش.

في البداية، حاولت أن أراها كما هي فقط.امرأة من هذا العالم،بهذا الجسد، بهذا العمر

 شيئًا فشيئًا، بدأت تظهر الطبقة الأخرى.

لم تزاحم الصورة الأولى،بل اندمجت معها

صرت أراها بطبقتين،

كما هي الآن، جالسة أمامي،

وكما كانت في الحياة الأخرى

في الحياة الأخرى. هناك كانت أكثر حضورًا،

 أقرب إلى نفسها. 

هنا بدت وكأنها تخلّت عن شيء لا تتذكر متى فقدته.  

تحدثنا قليلًا.

ثم قرأتُ عليها كلمات أغنية كتبتها في تلك الحياة الأخرى.

 لم أقل إنها ليست من هذا العالم، ولم أقدّم تفسيرًا.

 راقبت فقط ما سيحدث.

 توقفت عن الكلام، تغيّر وجهها، ولم تسأل السؤال المتوقع: كيف كتبتِ هذا؟

بل نظرت إليّ كمن يسمع صوته القديم بعد انقطاع طويل. 

  في تلك اللحظة فهمت أن ما انتقل معي لم يكن معرفة،

 بل أثرًا. لم نعد نملك تلك الحياة الأخرى، لكننا نملك صداها. 

في العالم الموازي، كنت أساعدها بطريقة واضحة: أرافقها، نكتب النص ، أساندها حتى تستعيد توازنها. 

أما هنا، فلم يكن لي هذا الدور كاملًا. كل ما استطعت فعله هو أن أترك الكلمات بين يديها، 

كمن يسلّم خريطة دون أن يضمن أن الطريق سيُسلك. 

  حين غادرت، لم أشعر بالانتصار ولا بالخسارة. شعرت فقط أنني عدت أقل يقينًا وأكثر فهمًا. 

  الفارق الحقيقي، أدركته لاحقًا،

الأحلام مشوّشة، ناقصة، تتفكك عند الاستيقاظ. 

أما ما عشته، فكان ذاكرة مكتملة لذات أخرى،

 حياة لم تُمحَ، بل انفصلت عن مسارها في اللحظة الخطأ. 

 و لم أعد أؤمن بأننا نعيش حياة واحدة فقط، بل أؤمن أننا نحمل داخلنا احتمالات عديدة، 

وأحيانًا دون إنذار نتذكّر ما كان يمكن أن نكونه،

فنعود إلى حياتنا هذه… وقد تغيّر معناها إلى الأبد.

تمت

بلقيس عبدالرحمن

2/1/2026 الجمعة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.