
الغرفة رقم (302) في المصحة لم تكن تشبه غرف المستشفيات،
كانت مغلفة بصمت ثقيل يشبه صمت الأماكن المهجورة،
يكسره فقط صرير قلم "آدم" وهو يتحرك على الورق.
جلس آدم واضعاً مفكرته ذات الغلاف الجلدي على ركبتيه،
بينما يقف "عزيز" أمام النافذة، يحدق في فراغ الحديقة الخارجية.
كان عزيز يرتدي سترة فضفاضة بلون البيج الباهت، تبدو وكأنها ابتلعت جسده النحيل.
"اكتب يا آدم.."
قالها عزيز دون أن يلتفت،
صوته كان يشبه حفيف ورق جاف
. "اكتب أن النحات قرر اليوم أن يحوّل جميع سكان الميناء إلى تماثيل من ملح، لأقد أفسدوا هدوء البحر
."توقف قلم آدم. استدارت عيناه نحو عزيز، شعر برعشة خفيفة خلف رقبتيه، لكنه أجاب بصوت هادئ ومنطقي:
عزيز، الناس لا يتحولون لتماثيل ملحية، والبحر لا يفسد هدوءه أحد
هل تقصد أن هناك موجة غبار ملحي قادمة من الملاحات ستحاصر الحي القديم؟"
التفت عزيز فجأة، كانت عيناه تأهتان ببريق غريب،اقترب من آدم حتى كاد أن يلمس جبينه، وهمس بحدة:
المنطق هو سجنك يا صديقي.. النحات لا يحتاج لإزميل، هو يحتاج فقط لموجة باردة تأتي في غير أوانها وتجمد الدماء في العروق. غداً، في تمام السادسة صباحاً، ستستيقظ المدينة لتجد أن الميناء قد توقف تماماً، وأن السفن علقت في مكانها كأنها صور فوتوغرافية.. سجل هذا في روايتك، سمِّها (فصل الذهول العظيم).
عاد آدم للكتابة، لكن أصابعه كانت ترتجف. لم يكن يكتب رواية بل كان شيئًا أقرب إلى المذكرات الميدانية، أو كما أحب أن يسميه: “خرائط لما يحدث داخل العقل
لم يكن وجوده في المصحة صدفة. قبل أسابيع، كان يعيش حالة جفاف حاد في الكتابة،
لم تعد الجمل تتشكل، ولا الأفكار تستقر.عندها خطرت له فكرة غريبة:
أن يقترب من مكان يفكر افيه الناس بصوت مرتفع، لعله يستعيد القدرة على الكتابة من الفوضى المنظمة للمرضى
.قدّم طلبًا رسميًا للدخول إلى المصحة ككاتب يوثق الحياة اليومية من الداخل،
وأطلق على مشروعه السرد في البيئات النفسية المغلقة
. وبشكل غير متوقع، حصل على تصريح محدود، يسمح له بالزيارة والكتابة تحت إشراف طبي ،حينها التقى عزير.
وفي الشهر الأول، عندما قال عزيز إن الغيوم ستمطر زيتًا. لم يكن يصدّق كان فقط يدوّن…لكن أنابيب النفط في الميناء أنفتحت وغطت الساحل في كارثة بيئية لم يتوقعها أحد.
.أغلق آدم مفكرته، ونظر إلى الساعة المعلقة على الحائط. كانت تقترب من الخامسة مساءً
. انتهى وقتنا اليوم يا عزيز.
قالها وهو يلملم أغراضه، لكنه في داخله كان ينتظر الساعة السادسة من صباح الغد، يترجح بين خوف المنطق الذي يرجو كذبه، الجنون
2
.استيقظ آدم قبل السادسة بدقائق، دون أن يحتاج إلى منبّه.
كان الضوء الرمادي للفجر يتسلل إلى شقوق الستارة، بينما ظلّ صوت عزير عالقًا في رأسه كأنه لم يغادر الغرفة
الميناء سيتوقف تمامًا…
مدّ يده نحو الهاتف بتردد، ثم فتح الأخبار المحلية.في البداية، لم يجد شيئًا.ابتسم بسخرية ، وشعر بشيء من الراحة .
ربما كان يحتاج لهذا أكثر من عزير
.لكن عند السادسة وسبع دقائق تمامًا، اهتز الهاتف بإشعار عاجل:
تعطل كامل في حركة الميناء بعد خلل مفاجئ في أنظمة الملاحة الإلكترونية…
السفن متوقفة مؤقتًا حتى إشعار آخر.
ظل آدم يحدق في الشاشة دون أن يرمش.ثم أغلق الهاتف ببطء، كما لو أن مجرد النظر إلى الخبر يجعله حقيقياً أكثر.
نهض من السرير، تكن برودة الأرضية الرخامية هي ما جعل جسده يقشعر، بل تلك الفجوة التي اتسعت فجأة بين ما يعرفه وما يراه. لم يكن الخبر مجرد عطل تقني؛ بالنسبة له، كان صرخة "النحات" التي تنبأ بها عزيز.
ارتدى ثيابه على عجالة وتوجه إلى المصحة. لم يكن موعد زيارته قد حان، لكنه دخل دون إنتظار وتجاوز الممرات الضيقة، متجاهلاً نظرات الممرضين المستغربة..
وصل إلى الغرفة رقم (302)
.فتح الباب بحدة. كان عزيز في وضعيته ذاتها، واقفاً أمام النافذة، لكنه هذه المرة لم يكن يحدق في الحديقة، بل كان يرفع يده عالياً ويحرك أصابعه في الهواء وكأنه يلمس جداراً غير مرئي.
عزيز.. الميناء متوقف، السفن تجمدت في أماكنها كما قلت تماماً،
هتف بذلك وهو يلهث،
وقد وضع مفكرته على الطاولة
التفت عزير ببطء شديد. لم يكن على وجهه أي علامة للانتصار أو الدهشة، بل كان يبدو شاحباً أكثر من ذي قبل، وكأن التنبؤ الأخير قد استنزف بقايا الروح من جسده. قال بصوت خافت:
آدم.. الملح لا يتوقف عند السفن. الملح يزحف.
آدم: ماذا تقصد؟
اقترب عزيز من النافذة وفتحها. هبّت نسمة هواء باردة، لكن آدم استنشق رائحة غريبة.. لم تكن رائحة البحر، بل كانت رائحة معدنية جافة، تشبه رائحة الغبار
الآن يا آدم، هي ليست صدفة، أليس كذلك؟
اكتب الآن..
الفصل القادم ليس عن الميناء، بل عن المرآة
ارتبك آدم: "أي مرآة؟
أشار عزير بسبابته النحيلة نحو الساعة المعلقة على الحائط: غداً، سيفقد الناس القدرة على التعرف على وجوههم. سينظرون في المرايا ولن يجدوا سوى ملامح غريبة، وجوهاً من ملح بلا تعابير.
نظر آدم إلى انعكاس صورته في زجاج النافذة؛ كان يرى عينيه المتعبتين ووجهه القلق، لكن لثانية واحدة، خُيّل إليه أن ملامحه بدأت تبهت
.أمسك بقلمه، لكن هذه المرة لم تكن أصابعه ترتجف فقط، بل كان يشعر ببرودة غريبة تسري في عروقه،
عزيز... نادى آدم بصوت قلق،
هل هناك طريقة لإيقاف النحات؟
حاول أن يحدثه بلغته عله يفمه أكثر..
ابتسم عزير للمرة الأولى:
"النحات لا يتوقف يا صديقي.
. هو فقط يغير المادة التي يشكلها. واليوم، قرر أن يشكلنا نحن.
3
عاد آدم إلى منزله، وتوجه مباشرة نحو الحمام. وقف أمام المرآة، وأغمض عينيه بقوة، وهو يردد في سره:
hلمنطق هو سجنك.. المنطق هو سجنك."
عندما فتح عينيه، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان بياض الفجر القادم يبدو أكثر شحوباً من المعتاد، مثل طبقة سميكة من الملح تغلف العالم.
بحلول الساعة الرابعة فجراً، كان آدم يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً...
كلمات عزيز عن المرآة و الوجوه الملحية كانت تتردد في أذنه، لكن عقله
يحلل
.نظر آدم إلى النافذة، لاحظ أن طبقة رقيقة من الضباب الكثيف بدأت تكسو الزجاج، لكنها لم تكن رطبة. مسحها بإصبعه فترك أثراً أبيضاً جافاً. الملح...
إهتز هاتفه بإشعار عاجل اخترق صمت الغرفة..
أضاءت الشاشة على وجهه المرتبك:
تحذير عاجل لسكان المناطق القريبو من الميناء :
ظاهرة مناخية غير مسبوقة تضرب المدينة. هبوط مفاجئ وحاد في درجات الحرارة نتاج أدى إلى تجمد أبخرة الأملاح في الجو، مما تسبب في تكوّن سحابة من الغبار البلوري' الكثيف. الأرصاد تنصح بوضع كمامات مبللة وعدم النظر مباشرة إلى السماء، حيث أن بلورات الملح العالقة تسبب عمىً مؤقتاً وخدوشاً في القرنية، وننصح ببإغلاق النوافذ، وتجنب الخروج من المنازل إلا للضرورة القصوى، واستخدام أغطية واقية للعينين والأنف عند الاضطرار للخروج.
تجمد آدم في مكانه وصرخ:
المرآة! ، عزير لم يقصد أن الوجوه ستختفي سحراً، بل أن الناس لن يتمكنوا من الرؤية بسبب الغبار الملحي الذي يملأ الجو
سيجعل الرؤية مستحيلة،
وأي محاولة للنظر في المرآة أو من خلال النوافذ ستنتهي برؤية بياض ضبابي كاسح.
هرع آدم إلى المصحة مرة أخرى.
الشوارع كانت تعيش حالة من الذهول
السيارات متوقفة في منتصف الطريق السائقين لم يعودوا يبصرون شيئاً من خلف الزجاج الذي غطته طبقة ملحية خشنة.
الناس يمشون ببطء، مغطين أعينهم، يتحسسون الجدران كالتماثيل التي فقدت بصرها.
دخل الغرفة رقم (302). كان عزير جالساً على الأرض، وقد غطى عينيه بقطعة قماش بيضاء، وكان يبتسم هاتفاً:
هل تسمع صمتهم يا آدم؟
النحات لم يكسر المرايا، هو فقط ملأ الفراغ بيننا وبينها.
أمسك آدم بكتف عزير:
لقد حدث فعلاً.. إنها عاصفة ملحية كيميائية، يقولون إنها تفاعل من مخلفات تسرب الأنابيب إلى الميناء الشهر الماضي مع الرطوبة المفاجئة. الناس يختنقون بالملح، يا عزير!
رفع عزيز رأسه، وبالرغم من العصابة على عينيه، شعر آدم أنه يحدق في روحه:
المنطق دائماً يجد تبريراً للمأساة يا صديقي.
سمّها عاصفة، سمّها تفاعلاً.. المهم أن المدينة الآن صامتة، بيضاء، ولا أحد فيها يجرؤ على النظر في وجه الآخر خوفاً من الخدوش.
أخرج آدم مفكرته. لم تكن أصابعه ترتجف هذه المرة، بل كانت تتحرك بسرعة البرق لتوثيق ما يسمعه،
كتب في الصفحة الأخيرة:
الساعة السادسة صباحاً: المدينة لم تتحول لملح، لكنها غرفت فيه. المنطق يقول إنها كارثة بيئية، والجنون يقول إنه النحات. في الخارج، السفن عالقة، وأنابيب النفط تنزف، والناس يمشون كالعميان في رواق طويل من البياض. عزيز كان يهذي….
لكن أكان حقا هذيان…
أغلق آدم مفكرته، ونظر إلى يده التي تلوثت بغبار الملح الأبيض العالق في هواء الغرفة. في تلك اللحظة، لم يعد يعرف هل هو يكتب مشروعه، أم أن نحات عزيز يستخدم قلمه ليكمل تشكيل التمثال
4
اقتحمت أطباء الطوارئ الممر المؤدي لغرفة عزيز في تمام السادسة مساءً، كانت الأقنعة الواقية تغطي وجوههم لحمايتهم من غبار الملح الذي استوطن الممرات. فتحوا باب الغرفة (302)،
لكن الصمت الذي استقبلهم كان أثقل من صرير الحديد.كانت الغرفة فارغة.
. ليس من عزيز فحسب، بل من أي أثر يدل على وجوده. السرير لم يكن مجعداً، النافذة كانت مغلقة بإحكام، وحتى عبارة "النحات" التي رآها آدم على الجدار، لم تكن سوى بقع رطوبة
في غرفة أخرى معزولة تحت ضوء رمادي شاحب،
جلس رجل يرتدي سترة فضفاضة بلون البيج الباهت.
لم يكن يحمل قلماً، بل كان يحرك سبابته على جدار الغرفة وكأنه ينحت كلمات في الهواء
.كان آدم.. أو ما تبقى منه.
دخل ممرض شاب يرافقه رجل يرتدي معطفاً أنيقاً، يحمل في يده مفكرة ذات غلاف جلدي جديد وقلم حبر
."هذه هي حالته،
همس الممرض للزائر.
يدعي أن المدينة غرقت في الملح، ويصر على أن السفن تجمدت
***
تمت
بلقيس عبدالرحمن